أذا كان للتطور التقني تأثيرا على الحياة العامة بكل أشكالها العلمية و الفنية و الثقافية فقد كان له التأثير الكبير على صناعة السينما كشكل من أشكال الفنون التي تتطور مع تطور الحياة ، و هذا ما نجده جليا في الأفكار التي تطرحها أفلام الخيال العلمي ، حيث أن فيلم الخيال العلمي هو الشكل السينمائي الأكثر احتياجا إلى البراعة الفنية و الحبكة لأنه يناقش ما يجيش في خيال الفنان من موضوعات خيالية ، و من ثم استوجب هذا الأمر وجود أدوات قادرة على تجسيد هذه البيئة الخيالية بدرجة عالية من الدقة لإقناع المشاهد بمصداقية هذه الأحداث ، لذلك كان اعتماد فيلم الخيال العلم على المؤثرات البصرية كشكل من أشكال التعبير السينمائي و ليس فقط وسيله من وسائل الإبهار .
فبعكس ما هو متبع في عالم الصحافة فقد بدأت السينما في استخدام الصور للاتصال الجماهيري ومن ثم تم تطويرها من خلال إضافة الكلمات المطبوعة وبعد ذلك دخول الصوت والمؤثرات المرئية والصوتية عليها، ومع بداية قيام المجتمع الصناعي وظهور فترات أوقات الفراغ لدى بعض شرائح المجتمع الصناعي ترتب على ذلك ظهور وانتشار وسائل جديدة للتسلية غير الصحف والمجلات والكتب ، وواكب ذلك الاتساع والعمق في الاختراعات بجميع المجالات منها تركيز بعض المخترعين على وسائل في كيفية شغل أوقات الفراغ حيث ظهرت أول آلة لعرض الصور الثابتة سميت السينماتوغراف (CINEMATOGRAPHE) لعرض تلك الصور عليها بسرعة كبيرة بحيث تظهر على شاشة كبيرة وكأنها متحركة ، وبذلك ظهرت الأفلام السينمائية الصامتة وبقيت لفترة طويلة ومن ثم تحولت إلى سينما ناطقة حيث توالت بعدها التطورات السريعة لصناعة السينما وعرضت الأفلام بأنواعها الكوميدية والكوميديا الدرامية والكوميديا الموسيقية وأفلام المغامرات والرسوم المتحركة والأفلام القصيرة والوثائقية والدرامية والنفسية والبوليسية والجاسوسية والخيال العلمي وأفلام الحروب والرعب ورعاة البقر والأفلام التعليمية .
وباعتبار الأفلام من أهم وسائل الاتصال الجماهيري الهامة والمؤثرة فقد استطاعت جذب واحد بليون مشاهد سنويا في دور العرض ، وإذا ما تم ربط ذلك مع تزايد عدد مشاهدي تلك الأفلام في المنازل من خلال الفيديو والقنوات الفضائية والكيبل يصبح عدد أولئك المشاهدين ضخما للغاية ولا يمكن حصره بسهولة ، وبالرغم من ضخامة الطلب على الأفلام السينمائية فإنه يزداد بشكل كبير وخصوصا بعد دخول التقنيات الرقمية إلى عالم الإنتاج السينمائي ، والنتيجة الطبيعية في كل ذلك ازدياد الاستثمار في عالم السينما حيث وصلت الإيرادات السنوية من صناعة الأفلام في الأسواق العالمية حاليا إلى 45 بليون دولار مما يفتح شهية المستثمرين على هذه الصناعة ولمزيد من الاستثمار فيها
شهد تاريخ الأفلام السينمائية لحظات حاسمة غيرت فيها تكنولوجيا جديدة كل شيء. ففي العام 1927، كان فيلم "مغني الجاز" – أول فيلم سينمائي ناطق – بداية عصر السينما الناطقة. وفجأة، اختفت الأفلام الصامتة وظهر نوع جديد من النجوم ونوع جديد من القصص السينمائية، مما غيّر كيفية كتابة وتصوير وعرض الأفلام السينمائية و تحول بذلك واقع السينما من مجرد النظر الى الفيلم على اساس انه فكرة مبدعة الى انتاج سينيمائي وذلك مع زيادة الطلب على الافلام من طرف المشاهدين و اصبح ينظر الى السينما على انه مجال استثماري ضخم .
بدأ العصر الرقمي في الأفلام السينمائية في عقد الثمانينيات، إلا أنه اكتسب زخما كبيرا حوالي العام 1990. ومنذ البداية، استخدمت التكنولوجيا الرقمية لابتكار أنواع جديدة من الصور. وكانت شركة المخرج السينمائي جورج لوكاس (Industrial Light and Magic) رائدة في المؤثرات المرئية الخاصة المذهلة التي جعلت القصص الفضائية الخيالية تبدو واقعية بشكل مذهل. وقد أصبح بإمكاننا الآن، باستخدام برامج مثل (Photoshop) أن نغير الصور رقميا – على سبيل المثال، إزالة شخص أو إضافة بناية – مما غيّر إدراكنا الأساسي للواقع المصور. وأصبح من الواضح أن أقوالاً متداولة مثل "الصور لا تكذب" و"المشاهدة تقود إلى التصديق" غير صحيحة في العصر الرقمي. وساعدت أنظمة المونتاج الرقمي في تكوين أساليب وتقنية سينمائية جديدة، كاستخدام لقطات قريبة جداً، وصور وأشكال تطير حول الشاشة، وأشكال تتغير وتتحول إلى أشكال أخرى أمام أعين المشاهدين. وما كان سيكون من الممكن تقديم الإعلانات التلفزيونية بالشكل الذي تظهر فيه في هذه الأيام لولا توفر الأدوات الرقمية وفي حقيقة الامر ان هذا التطور في المجال الرقمي ساعد على خفض تكاليف الانتاج وشجع على الاستثمار اكثر
فاكثر في مجال السينما وهذا الاتساع في الاستثمار حول الانتاج السينيمائي الى صناعة قائمة بذاتها تساهم مداخيلها في تحسين الدخل القومي .
وشهد عقد التسعينيات زيادة هائلة في الفيديو الرقمي (DV) وآلات (Camcorders) الصغيرة (MiniDV) التي منحت الهواة القدرة على تصوير ومونتاج أشرطة فيديو زهيدة الكلفة رفيعة المستوى. وسارع المخرجون السينمائيون المستقلون إلى تبني واستخدام كاميرات الفيديو الرقمي في إخراج أفلام أصبحت فجأة تعرض على التلفزيون وفي المهرجانات السينمائية المرموقة. أما في نموذج الإنتاج التقليدي في هوليوود، فيتم التصوير بكاميرات أفلام 35 ملمترا تتطلب طاقماً كبيراً من الفنانين والفنيين. ومع أن الفيديو الرقمي لا يصل إلى مستوى جودة فيلم الخمسة وثلاثين ملمترا، إلا أنه جيد بما فيه الكفاية ورخيص بما فيه الكفاية بحيث أنه أمكن استخدام الفيديو الرقمي في طائفة واسعة من المشاريع السينمائية المبنية على قصص خيالية وفي أفلام وثائقية كان إنتاجها سيكون مستحيلا، أو مكلفا إلى حد يجعلها مستحيلة، قبل ظهور الفيديو الرقمي.
وصادف أنه مع انطلاق الفيديو الرقمي انطلقت أيضا شبكة الإنترنت عالمية النطاق. ولم تعرف هوليوود في البداية كيف تستفيد منها. ويعتبر فيلم "مشروع ساحرة بلير"، وهو فيلم أنتج بميزانية ضئيلة في العام 1999 وصور بكاميرات فيديو صغيرة، أول فيلم يستغل قدرة الإنترنت على التسويق. فقد أثار منتجو الفيلم، من خلال نشرهم تلميحات على الإنترنت بأن الرعب الموجود في الفيلم حقيقي، نقاشا حادا ساعد الفيلم على تحقيق إيرادات عالمية إجمالية بلغت 248 مليون دولار. وقد أصبحت الآن المواقع والمدونات الإلكترونية أو البلوغز والنقد المنشور على الإنترنت والمناقشات على المواقع الإلكترونية مثل (MySpace.com) عناصر أساسية في إثارة "ضجة" حول فيلم جديد.
وتفتح الشبكة العنكبوتية الباب أمام نموذج جديد من الإنتاج والتوزيع السينمائي. فإنتاج وتوزيع معظم الأفلام يتم حالياً من قبل شركات ضخمة – كاستوديوهات السينما وشبكات التلفزيون وشركات التوزيع الضخمة. إلا أن شبكة الإنترنت تجعل من السهّل إنتاج فيلم لجمهور محدد وبيع أقراص فيديو رقمية (DVD) مباشرة لذلك الجمهور، فتمكن المنتج بذلك من تجاوز صناع القرار في الشركات الذين كانوا سيرفضون المشروع على الأرجح بسبب افتقاره إلى القدرة على استقطاب عدد كبير من المشاهدين. ويشير خبير التوزيع السينمائي بيتر برودريك إلى أن فيلم "انعكاس" وهو فيلم درامي يتعلق بالمصارعة في المدارس الثانوية لم يعرض أبدا في دور السينما أو على التلفزيون أو يقدّم حتى في محلات بيع أو تأجير أشرطة الفيديو، ولكنه حقق رغم ذلك أكثر من مليون دولار عن طريق بيع أقراص الفيديو الرقمية (DVD) والتسويق عبر شبكة الإنترنت. ويصف المؤلف كريس أندرسون في كتاب "الذيل الطويل: سبب كون مستقبل التجارة هو بيع الأقل من الأكثر" كيف تمكن شبكة الإنترنت المنتجين والموزعين من استهداف جماهير معينة بمنتجات لا تبيع بكميات كافية في الطرق التقليدية للبيع بالتجزئة. وتزداد القدرة على تحقيق الربح لدى إنتاج أنواع أصغر أو غير معتادة من الأفلام كلما ابتعدنا أكثر عن بيع أو استئجار أشياء مادية مثل أقراص الفيديو الرقمية (DVD) وتوجهنا نحو إنزال الملفات الإلكترونية.